أخبار وطنيةصحافة ورأي

من “الحجب” إلى “العسكرة”: هل تؤول وصاية العمل التطوعي بموريتانيا للجيش؟

تعيش الساحة الجمعوية والشبابية في موريتانيا حالة من الصدمة والجدل بعد الإعلان الرسمي عن حجب “جائزة رئيس الجمهورية لأفضل الأعمال التطوعية” في نسختها الأولى لعام 2025، وهو القرار الذي اعتبره مراقبون “فشلاً ذريعاً” لجهة الإشراف المدني، وفي المقابل، تزايدت ملامح “عسكرة” هذا المجال المدني بعد دخول مؤسسة الدرك الوطني بقوة على خط تكوين وتأطير المتطوعين.
مخاض الجائزة: من حماس الإعلان إلى خيبة الإلغاء بدأت القصة في 2 يوليو 2025، عندما صادق مجلس الوزراء برئاسة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على مشروع مرسوم يُنشئ “جائزة رئيس الجمهورية لأفضل الأعمال التطوعية”. واكبت هذا الإعلان موجة تفاؤل كبيرة، تلاها فتح باب تقديم المشاركات حيث تقدم للمسابقة 446 ملفاً.
شُكلت لجنة وطنية لتقييم الملفات برئاسة الغوث ولد القاسم، وباشرت عملها على مدى شهرين.،إلا أن الصدمة جاءت في مايو 2026، حين أعلنت اللجنة رسميًا حجب الجائزة وإلغاء نسختها الأولى كلياً، مبررة ذلك بعدم حصول أي من المشاريع المتقدمة (التي صُفّيت في النهاية إلى 54 مشروعاً) على المعدل المطلوب وفق معايير التميز والابتكار، وهي سابقة تاريخية مقارنة بالجوائز الرئاسية الأخرى إذ مثل قرار الحجب هذا سابقة تاريخية مثيرة للاستغراب عند مقارنته بالجوائز السيادية الأخرى المسماة بالاسم الرئاسي، مثل:جائزة رئيس الجمهورية للعلوم (شنقيط)، وجائزة رئيس الجمهورية للفنون التشكيلية والمسرح، هذه الجوائز التي لطالما استمرت ووُزعت بانتظام لتشجيع الحقل المعرفي والفني، ولم يتم حجبها كلياً في بداياتها لمجرد “ضعف نسبي” في المخرجات، بل كانت تُستغل لخلق ديناميكية تنافسية وتطوير الحقل المستهدف.
إلغاء جائزة التطوع بعث برسالة إحباط قوية للهيئات الشبابية والمدنية.
بوابة عسكرية بديلة: الدرك في الواجهة: بالتزامن مع هذا التعثر الإداري للمنظومة المدنية، بدأت الدولة بالانتقال بالعمل التطوعي نحو منظومة بديلة وأكثر حزماً. ففي مايو 2026، أشرف وزير تمكين الشباب رفقة قائد أركان الدرك الوطني الفريق أحمد محمود ولد الطايع على إطلاق دورة تكوينية ضخمة لصالح 2100 شاب متطوع في مجالات الوقاية من المخدرات والتحسيس المدني تحت وصاية وإشراف جهاز الدرك، وقبلها بأشهر، رعى السلك العسكري ذاته تكوين مئات المتطوعين وتوزيعهم على المدارس الأساسية والثانوية.
تساؤل مشروع: هل يُمنح ملف التطوع كاملاً للجيش؟أمام هذا “الفشل المدني” في إدارة الجائزة الرئاسية من جهة، والنجاح اللوجستي والتنظيمي الملموس الذي يُظهره العسكر في ضبط المتطوعين وتأطيرهم من جهة أخرى، يبرز تساؤل جوهري ومشروع:هل ستفكر الدولة الموريتانية جديّاً في سحب ملف “الخدمة المدنية والتطوع” من أروقة الوزارات المدنية وتسليمه بالكامل للمؤسسة العسكرية؟
إن هذا الطرح يجد وجاهته في التاريخ الطويل للمؤسسة العسكرية الموريتانية (الجيش والدرك) في قيادة حملات التطوع الكبرى، بدءاً من عمليات تنظيف العاصمة و المدن الداخلية، وإزالة الأنقاض، والتدخل في الكوارث والفيضانات، وصولاً إلى محاولات إيجاد صيغة انضباطية تجمع الشباب وتوجه طاقاتهم بعيداً عن الانحراف والمخدرات.
فهل تقتنع الدولة بأن “الانضباط العسكري” هو الوصفة السحرية الوحيدة القادرة على إنجاح ملف التطوع في موريتانيا، بعد أن أخفقت في إدارته المقاربات المدنية؟
المفارقة الصادمة تكمن في أن المقاربات المدنية كادت تلامس النجاح، حيث تعاقب عدد من وزراء الثقافة والشباب على محاولة مستميتة لدفع ذلك الملف الطموح، وصيغت مسودة قانون ممتاز أشرف عليها الخبير الدستوري الدكتور محمد الأمين ولد داهي بمشاركة جميع المعنيين، تضمنت تأسيس “وكالة وطنية للتطوع”، على ضوء التجارب المقارنة، لكن وبشكل مخجل ومريب، تم التلاعب بالملف وتشويهه في كواليس الإدارة، لتتحول تلك المسودة القابعة اليوم في دهاليز المكاتب، وعند الشركاء إلى وثيقة شاهدة على خيانة الأمانة، وقصة خبيثة تروي كيف أُجهض الحلم، وقُبرت الوكالة في مهدها لحسابات ضيقة. فهل ستعيد المافيا إخراجها بحلة جديدة ولو لتحسين الصورة ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى