طَرِيقُ أطَارْ – أَگْجُوجَتْ.. صَرْخَةٌ فِي فَيَافِي الْهَجِيرِ! دداه الهادي

مَهْبِطَ عَيْنِ أَهْلِ الطَّايِعِ (مَتْحَفُ أَمَاطِيلَ – طَرِيقُ أَطَارَ أَگْجُوجَتَ)؛ عَلَى هَذَا الشِّرْيَانِ الْمُهْتَرِئِ، كَانَتِ النَّفَحَاتُ السَّاخِنَةُ تَزْفِرُ بِحَرَارَةٍ تَتَلَوَّى بَيْنَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ (47-49) دَرَجَةً، بَلْ أَسَرَّ إِلَيَّ أَحَدُ رِجَالِ الدَّرَكِ الأَبَاسِلِ أَنَّ هَجِيرَهَا قَدْ لَامَسَ نِصْفَ الْمِائَةِ (50) فِي بَقَاعٍ أُخْرَى نَائِيَةٍ.
مَشَاهِدُ الْقَيْظِ وَتَهَالُكِ الإِسْفَلْتِ لَا تُخْطِئُهَا الْعَيْنُ، وَالطَّرِيقُ — لَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الْمَقْطَعِ الْعَصِيبِ الْمُمْتَدِّ مِنْ نُقْطَةِ تِسْعِينَ (90) كِيلُومِتْراً مِنْ أَطَارَ إِلَى أَكْجُوجَتَ — يَعِيشُ سَكَرَاتِ التَّلَفِ؛ عِلْماً أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ كَانَ فِي أَصْلِ نَشْأَتِهِ وَمُعْظَمِ أَجْزَائِهِ عِبَارَةً عَنْ طَرِيقٍ حَصَبَاوِيٍّ (أَگْرَافِيه) غَيْرِ مُعَبَّدٍ تَمَاماً، إِذْ لَمْ يُرْصَفْ إِلَّا بِطَبَقَةٍ خَفِيفَةٍ شَحِيحَةٍ مِنْ مَادَّةِ “الْقَارِ” (الْكِيدْرُونِ) مِمَّا جَعَلَهُ عُرْضَةً لِلتَّأَكُلِ السَّرِيعِ.
هُنَالِكَ، اسْتَوْقَفَنِي مَشْهَدُ شَابَّيْنِ (2) تَقَطَّعَتْ بِهِمَا السُّبُلُ فِي سَيَّارَةٍ انْفَجَرَ إِطَارَاهَا لِفَرْطِ الْقَيْظِ وَتَقَعُّرِ الأَخَادِيدِ، وَبَعْدَ مَدِّ يَدِ الْعَوْنِ إِلَيْهِمَا بِإِطَارٍ ثَالِثٍ (3)، بَلَغُوا أَگْجُوجَتَ بِشِقِّ الأَنْفُسِ، لِكَيْ يَصِلُوا (مَكَانَ إِصْلَاحِ إِطَارَاتِ السَّيَّارَاتِ) عَلَى بَقَايَا أَمَلٍ مَثْلُومٍ.
نَادِراً مَا أَمْتَطِي صَهْوَةَ السَّفَرِ فِي هَجِيرِ الْقَيْلُولَةِ وَرَائِعَةِ النَّهَارِ، حَيْثُ الشَّمْسُ شُوَاظٌ مُتَلَاهِبٌ، لَكِنْ لَعَلَّ نَصَاعَةَ الْخُيُوطِ الذَّهَبِيَّةِ بِالأَمْسِ هِيَ مَا أَغْوَتْنِي لِأَعْدِلَ عَنْ مِيقَاتِ سَفَرِي الْمَعْهُودِ، رَغْبَةً فِي تَوَخِّي الْحَيْطَةِ وَتَفَادِي ظَلَامٍ دَامِسٍ قَدْ يَحْجُبُ عَنِ الْبَصِيرَةِ هَنَاتِ الطَّرِيقِ وَمَا تَبَقَّى مِنْ شَوَاهِدِ مَعَالِمِهِ.عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ “أَنْفَارِشَ”، كَانَ ذَلِكَ الْبَاصُ الْمُنْقَلِبُ رَابِضاً بِمَا تَرَكَ الْحُطَامُ مِنْ شُمُوخِهِ الانْكِسَارِيِّ، وَكَمْ كَبِرَ حُزْنِي أَسَفاً حِينَ عَلِمْتُ لَاحِقاً أَنَّ الْحَادِثَ خَلَّفَ ضَحَايَا يُعَانُونَ مِنْ كُسُورٍ وَجُرُوحٍ بَلِيغَةٍ، وَمِنْ بَيْنِهِمْ غَالٍ مِنْ خَلْصَةِ أَقَارِبِي، مِمَّنْ تَسْكُنُ مَحَبَّتُهُ الأَفْئِدَةَ لِطِيبِ مَعْشَرِهِ، وَالَّذِي أَبْتَهِلُ إِلَى الْعَلِيِّ الْقَدِيرِ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ وَعَلَى بَاقِي مُصَابِي هَذَا الْحَادِثِ الأَلِيمِ بِشِفَاءٍ عَاجِلٍ لَا يُغَادِرُ سَقَماً.
عَلَى امْتِدَادِ تِلْكَ الْفَيَافِي الْجَبَلِيَّةِ الْوَعِرَةِ، وَحَتَّى بَيْنَ أَگْجُوجَتَ وَنَوَاكْشُوطَ، جَوَاثِمُ مِنَ السَّيَّارَاتِ الْمُعَطَّلَةِ قَدْ أَعْيَاهَا الرَّكْضُ فِي تِلْكَ التَّضَارِيسِ الصَّخْرِيَّةِ الصَّارِمَةِ الَّتِي لَا تَعْرِفُ الرَّحْمَةَ، فَلَفَظَتْهَا الشَّمَارِيخُ الشَّاهِقَةُ وَالْسُّهُوبُ الْقَاسِيَةُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَأُخْرَى لَمْ يُبْقِ صَرْفُ الدَّهْرِ مِنْ سِمَاتِهَا إِلَّا هَيَاكِلَ شَاخِصَةً، مِنْهَا مَا يُبِينُ وَمِنْهَا مَا اسْتَعْجَمَ.
عَلَى أَيَّةِ حَالٍ؛ لَيْسَ هَذَا هُوَ الأَوَانُ الْمُنَاسِبُ لِلْمُمَاحَكَاتِ وَالصِّرَاعَاتِ دَاخِلَ الْمِرْفَقِ الْعُمُومِيِّ فِي أَطَارَ، ذَلِكَ الْمُسْتَشْفَى الْجِهَوِيُّ الَّذِي يَغْدُو الْمَلَاذَ الأَوَّلَ لِحُدُودِهِ التَّرَابِيَّةِ وَمَا قَارَبَهَا لِاحْتِضَانِ ضَحَايَا هَذِهِ الْحَوَادِثِ وَتَقْدِيمِ الإِسْعَافَاتِ الاسْتِشْفَائِيَّةِ.أَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ لِلْجَمِيعِ، وَنَبْقَى عَلَى رَجَاءِ أَنْ تَبْتَدِرَ الدَّوْلَةُ بِخُطُوَاتٍ مُعَجَّلَةٍ لإِعَادَةِ تَرْمِيمِ هَذَا الشِّرْيَانِ النَّابِضِ.






