ورحل عشيق ” موناليزا كيدال”/ داوودا جا

ورحل عشيق ” موناليزا كيدال”
تلكَ الفتاة التي وخزتْ ثٱليلا في داخل الشيخ الحسن لابدَ أنها كانتْ نبيةً ، أو إحدى متصوفاتِ الله الخلّاقات اللواتي يرسمنَ الملائكة على شكل ضحكة ، ويتموجنَ كأنهن التداعي الحر ، ويحفظنَ مبادئ الإيمان الثلاثة عشر ، تماما كما حددها ابن ميمون.
الأكيد أنها لم تكن امرأة مكرورة ، أقصد أنها لم تكن نسخة من البشر الخطائين ، لم تكن كذلك البتة.
لم تكن لدى الحسن ميول إلى التوافه :
توافه الأمور ، أنصاف الابتسامات ، أنصاف العلاقات ، وتحديدا أنصاف الأجساد.
وهنا أعني الجسد الجميل الذي يفتقد إلى ما يسميه نتشة : “قوة الجمال”
أي الجسد الغير مثقف ، ذلك الذي تطوقه الشياطين رغبةً في حوار مكشوف ، لكنه جسدٌ لثاغْ ، جسد تأتاء ، جسد لا يكاد يركبُ جملة.
وحينَ أدركتْ الشياطين خواءه ، تركته لجماله وهُرعت بعيدا إلى حيثُ “الموناليزا”
موناليزا كيدال
حيثُ الحوار الذي يفتحه الحسن بين السماويّ والأرضي.
الحوار العميق الذي يساوي ، بين البشر باعتبار أنهم من حمأ وأنهم ليسوا شيئا أمام العدم حيثُ لا يكون الشيخ الحسن البمباري
أو بعبارة أبيقورية :
حيثُ يكون الموت لا أكون.
الحسن ليس هناكَ ، لكنه ليس هنا أيضا.
فأين هو؟
إنه مع الله ، حيثُ يصطف حشدٌ من الملائكة ، وتعيد امرأة ترتيب غرفتها استقبالا لذلك الشباب الوسيم.
وتطرح سؤالها على الحارس ذي الجناحين المفرودتين أمام الباب :
لماذا تأخر كل هذا الوقت ، أين هو ؟!
ها هو ؟
– وكيف عرفته يقول الحارس.
– بابتسامته عرفته ، وبقامته المنحوتة كأنها مورينغا.
هناك قبل أن يموت الحسن بسنوات ، كنا صديقين.
كانت تجمعنا علاقة طهورة كالماء الذي يصلح للتّصلي ، وكنا نذرع المسافة البعيدة بينَ كلينيكْ و “كرفور شتدوه ” مشيا على الأقدام ، بعد أن ننهي تقديم برنامج “حديث الناس” الذي كنا نقدمه على أثير ” إذاعة كوبني”
كان وقت البرنامج يمتد إلى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.
ولم نكن حينها نملك من المال شيئا ، كنا نطوي المسافة بالحديث والدعابات ، وأحيانا بالتمني.
كلانا ، كنا نتمنى أن يظل هذا الوطن متماسكا ، وأن تُسترد الحقوق ، لكن بطريقتين مختلفين.
فقد كانت لدى الحسن تأيّة ، وكان يتمشى على الجراح مسيحا دونَ أن يثير وجعها ، أو يفزز الذباب الواغل فيها.
أما أنا فكنت عصبيا ، وصداميا ، كان طييّ رصاصا ، وكان طيُّه مشاتل في غاية السكينة والوقار.
لذلك أحبه الجميع ، وأحب هو “الموناليزا كيدال” التي هي الجميع أيضا.
اشتركنا ذكرياتٍ عديدة ، عليّ أجد لها متسعا في كتاب.
البارحة كنتُ مع مدير إحدى القنوات ، كنا نناقش فكرة برنامج يغوص في المجتمع ويسبر أغواره.
وأول من خطر على بالي هو الحسن ، حملت هاتفي واتصلت به :
ٱلو أيها الصغير ، – عبارة اعتدت على البدء بها مع الأصدقاء في المكالمات الهاتفية – ، وخاصة مع حسن.
جاء الصوت كأنه غضب الله على سدوم ، تلك القرية المشؤومة التي استحال عليّها سافلها.
صرتُ نسخة من سدوم حين أطلق الرجل صوته :
صاحب الهاتف بخير ، لكنَ صديقه في حالة خطرة ولا يزال على قيد الحياة
-ماذا حصل ؟
-حادث سير!
-ناولني صاحب الهاتف رجاء لأ تأكد أنه بخير.
-ٱلو الحسن ، أنت اشحالك؟
– الحسن إلا اطلبلو ملانَ
قال صديقه الناجي.
هنا صرت أنا سدوم ، وصارت هي نسخة مني.
يبدو أن الرجل عكس الخبر ، فالذي أصيب هو الحسن
قلت للمدير ….
وانسللت من عنده حاملا بيدي نسخة من رسالة مرياما با إلى صديقتها ” إنها رسالة طويلة جدا”
أخرجت هاتفي واتصلت بصديقنا المشترك منذ زمن بعيد Cheikh Elmami لا علم له بشيء ، ضربنا موعدا.
ومشيت مسافات طويلة ، هذه المرة وحدي ، وليس معي الحسن ، وليس بعيدا مني.
كانت ذكراه ، تورقُ في مخيلتي كشجر الخابور :
أيا شجر الخابور مالك مورقا
كأنك لم تجزع على ابن طريفِ
فقدناكَ فُقـدانَ الربيعِ وليتنــا
فدينـاكَ مـن فتياننـا بألـوف
سرتُ منهارا ، وعكازايَ هما الصبر وجملة أبيقور :
“إن عدم الكينونة بعد الحياة ، تضاهي تماما عدم الكينونة قبل الميلاد”
لكنني استبعدت هذه الجملة من ذهني ، ومشيت أبحث عن من أفاتحه في الموضوع .
وعند بوابة المقهى كان صديقنا salekh Saleck Zeid Zeid يجلس وحده حزينا كأن شيئا ألم به.
سألته عن حاله ، وعن الحسن لكن لم كن يعرف عنه شيئا .
قسطت له الخبر ، فحينها لم يكن الحسن قد مات ، رمى هاتفه ، ثم استعاده وانصرفنا.
اتصلنا بالهاتف :
جاء الصوت من جديد صاحب الهاتف يخير ،لكنه صديقه انتقل.
وما اسمه الذي مات؟
-الشيخ الحسن البمباري.
وياللصدمة ، ياللحزن الشديد ، ياللتكذيب ، يالعدم التصديق.
في البيت بادرتني أخته بسؤال زعزعني ، حولني إلى تافه ، وأعاد إليَ تلك الجملة التي قالها لي الشاعر شوقي بزيع ، في فندق ٱفريكا نقلا عن أحد المفكرين وكان قد نسي اسمه :
“الشعراء إناث قومهم”
أخت الشيخ أدركت ذلك وطرحت عليَ السؤال وحدي ، لأنني أنثى مثلها ، لأنني شاعر ، وأعرف مقاس الحزن ، بمقدروي أن أفصل الدمع على شكل امرأة حزينة ، على شكل شاعر حزين.
داهمتني قائلة : داوود حك الشيخ مات؟
گولي عنو ما مات ، أنت امالك صاحبو ، ول الشيخ ماتلا صاحبك؟
إلهي اربت على كتفي إنني أتداعى.
….
رجاء لا ترثوا الحسن بقصيدة رديئة ، ارثوه بالشعر أو اتركوه وشأنه.
هامش :
موناليزا كيدال هي قصة طويلة كتبها الحسن وسأقوم بتنضيدها ونشرها خلال أشهر .
وقد تكلف مدير مركز مبدأ الدكتور بوياتي مشكورا بتكاليف النشر ، كما تكلف الأستاذ محمد عالي رئيس مركز ترانيم بالتكاليف هو أيضا.
دون تردد وافاقا على مقترحي ، وأبديا استعدادهما.
كان الحسن ينوي نشرها من زمن ، أي قبل سبع سنوات.
وقال لي بالحرف الواحد : أنتظر أن أسمع رأي الربيع ادوم
وقد تعهد الربيع بقراءتها إكراما لمبتغى الحسن رحمه الله .
إلهي اربت على كتفي إنني أتداعى!!




