عزاء ومواساة

دداهي محمد الأمين الهادي
كشف المستور …… كنت صغيرا غضا يافعا حين عرفته عن كثب، رجلاً قوي البنية، بشوشا، ومنغمسا في العمل، أيام الزمن الجميل، بمدينة أطار. 
وكثيرا ما التقيته قرب الربط، من جهة امباركه واعماره، وكثيرا ما جمعه عمل بعائلتنا، وزرناه في حدائق النخل، حيث تراه متفانيا في الغرس، والزرع، والحراثة، وإعداد “آملاله”، وما شابه.
ولأنني انقطعت عن أطار لسنوات، ولم يبق في ذاكرتي الكثير عن مدينتي الأولى، فقد نسيت التفاصيل، إلى أن رأيت نعيه اليوم على الشبكة، وكان آخر عهدي به في التسعينات، ومع مطلع الألفية.
سيدي ول أبوت كان جزءً من حضارة مشرقة، نبذ أهلها الخمول والكسل، فلا تراهم إلا في عبادة، أو عمل، وقد حباهم الله تكريما من عجائب الزمن، فكانت أيامهم أيام عذوبة ماء العذيب، وطيبه، وبرد حصاه، وكانت البساطة تحنو عليهم، بعراجينها الممتلئة رطبا، وتمرا، وهناك غلبوا الجبال بالأسودين، وبالبطيخ الأبيض “فندي”، وقمح “أشيلال”، و”إقيارن” ذات اللحى الصغيرة، والماعز الآخر، وخاصة “اندوكات”.

سبحان الله، كيف تبدلت الأحوال، وانقلب الدهر، وكتب لي أن أراك ثانية، أيها الشامخ ، وأنت مثقل بالرحيل الأخير، في عروجك إلى جنات الخلد، تاركا في نفوسنا أثرا عميقا، لحكاية تستحق بجدارة واقتدار سفر الخلود.
حين رأيتك “في المنجاع”، كنت بمنتهى القوة، رغم ظهور الشيخوخة، وأحاديث أهل “ارگيگ” عنك، وعن بطولتك، وهيبتك، وقوتك، وها أنذا أبصرك ثانية، وأراك.
قسمات وجهك هي ذاتها، برغم الشحوب، والعاديات، وتعاقب الجديدين.
كنت أمر من “المنجاع” ، وأنا أقرأ لوحي بصوت عال، على حفيد “المرحوم مماه ول اطويلب”، أعني الفتى محمد ول هنون، وكنت سعيدااااااا، ولا أدري!!!!! ككل المقبلين على بداياتهم.
آاااااااه .. ويا حسرتي على أيام قضيناها بين البشر، ورائحة “آمساسين”، وحمام الوادي، ودور الطين، والحطب، و”وبزنانات” الحناء، و”تغلولاتن الفصه” /البرسيم، والأرانب، واللعب، وأنفسنا قبل أن نضيع في الزحام.
————————-
كامل العزاء والمواساة للأهل والأحبة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
الرحمة والغفران، وجنان الخلد والرضوان.



